الرئيسية  >>  تحقيقات  >>  مدابغ الجلود" شوكة فى جسد سور مجرى العيون سور مجرى العيون....وما خُفىّ كان أعظم! أطفال المدابغ بين جلود الماعز وبراميل مياه النار

مدابغ الجلود" شوكة فى جسد سور مجرى العيون سور مجرى العيون....وما خُفىّ كان أعظم! أطفال المدابغ بين جلود الماعز وبراميل مياه النار

: التاريخ
2016-08-24
مدابغ الجلود

مدابغ الجلود" شوكة فى جسد سور مجرى العيون

سور مجرى العيون....وما خُفىّ كان أعظم!

أطفال المدابغ بين جلود الماعز وبراميل مياه النار

تحقيق:هند عادل،شيرين أشرف

 

لم يعُد لسابق عهده كأقدم سور تاريخى ،وأحد أهم معالم القاهرة الإسلامية،فقد تحول على مدى السنوات السابقة إلى مقلب للقمامة وحظائر للحيوانات ومآوى للمخلفات الكيماوية ،فانتهى به الأمر غائباً عن الخريطة السياحية0

"سور مجرى العيون"الذى شيده السلطان الغورى قبل نحو800عام بهدف مد قلعة صلاح الدين الأيوبى بالمياه عن طريق رفع مياه النيل بالسواقى إلى مجرى السور،بحيث تجرى المياه إلى أن تصل للقلعة،يُعرف السور "بالقناطر"0

يمتد السور من منطقة فُم الخليج بحى مصر القديمة حتى شارع صلاح سالم بطول 2200متر،يقع فى أهم مواقع فى العالم،فى قلب مصر التاريخى،ولكن لسوء حظه ،تغيّر به الحال ،من أثر فريد يجب الحفاظ عليه وتشييد المزارات السياحية والمتاحف بجواره،إلى مآوى وملجأ للقمامة،يهرب منه كل من يقترب ،ليس فقط من بشاعة المظهر ،ولكن خوفاَ من إستنشاق روائح أقل ما تفعله هو أن تجعل العابر يندم على أن حاسة الشم لا إرادية.

 

يُخفى هذا السور وراءه أشهر تجمُع فى القاهرة ل"مدابغ الجلود" ،فهى بمثابة قنبلة موقوتة،أقل ما يقال عنها ،أنها منطقة تُجسد عوامل تدهور المجتمع،بداية من إنعدام التخطيط وغياب مفهوم حقوق الإنسان،مروراً بإنعدام مراعاة أى معايير خاصة بالبيئة والآدمية ،مع وجود وفرة فى الجهل والتغيّب الثقافى.

فلم يقتصر الأمر على إلقاء القمامة من قِبل"العربجية"المتواجدة أمام السور ،ولكن وصل إلى مخلفات تلك المدابغ0

"حياة خارج الزمن"

حياة خارج الزمن ،ومجتمع منغلق،وأجيال تتمسك بمهنتها المتوارثة ،ذاقوا خلالها المر وتحملوا مشاقها وأضرارها ،آملين بتحسن أحوالهم.

المياه الملونة تغمر أرض المدبغة متسربة من براميل الدباغة، روائح كريهه تزكم الانوف والأوساخ فى كل زاوية،تتوزع مهام العامل بين تصنيف الجلود وإزالة الشعر منها وغمسها فى براميل "الكيماويات"،الغالبية يتعاملون مع المواد الكيمائية والجلود بأيديهم المجردة ،التى تبدو على العديد منها آثار التهابات ولسعات،ولا تُخطئ العين   ما يبدو على بعض العمال من علامات الضعف والإعياء وشحوب الوجه.

بسؤال أحد العمال،يقول "علاء"إن المواد الكيميائية المستخدمة تشمل سائل "ماء النار" الذى تسبب فى إصابة العديد من العمال بحروق ولسعات،وأيضا مادة النشادر التى تسبب لهم مشاكل صدرية.

وبسؤاله عن المعيار الذى يستخدمه لتقدير كميات المواد التى يلقى بها على الجلود فى البراميل، أجاب" يا أستاذة إحنا بنشتغل بالبركة"0

ويقول "محمد حربى" صاحب أشهر المدابغ وراء "سور مجرى العيون"،أن هذه المهنة يرثها عن جدوده،وأشار ألى أنه احد مصدرى الجلود للخارج,وأن هذه المهنة تعود بالنفع على إقتصاد البلد،وعند سؤاله عن المخلفات التى تُلقى بجانب السور أوضح موقفه قائلاً" أغلب المدابغ بتعمل كده وبييجى عربيات تشيل كل ده أخر اليوم".

"موقف مسئول"

ينوّه "محمد الكحلاوى"آمين عام إتحاد الأثريين العرب"يعتبر هذا السور تحفة معمارية عالمية لا مثيل لها،حيث تكمُن عبقريته الهندسية فى أنه يأخذ المياه من النيل لترفع إلى القلعة التى ترتفع 360متر تقريبا عن الأرض ،وذلك دون إستخدام طاقة كهربائية".

وحذر "الكحلاوى" من خطورة مخلفات المدابغ قائلاً"مخلفات المدابغ تحتوى على كيماويات وأصباغ كيميائية،يتم إلقاءها بجانب السور،مما يسبب الضرر بقاعدته ،حيث أن السور مكون من الحجر الجيرى الذى يقوم بإمتصاص الكيماويات ،مما يهدد بإنهيار السور مع الوقت".

وأصر "الكحلاوى" على أن الحفاظ على السور لا يقتصر على أعمال الصيانة والترميم ،بل بتأمينه من التلفيات والأضرار،وسرعة إستغلال السور فى تنشيط السياحة حيث يعتبر أثراً مهما،يجب أن يتم الإستفادة منه".

وعلى صعيد آخر، أوضح "عبد الحليم نور الدين"،رئيس هيئة الآثار الأسبق،أنه تم إزالة بيوت عديد من السكان حتى يتم ترميم السور وذلك عام 1985 ،واستمر الترميم إلى أن توقف مرة أخرى، ثم جاءت هيئة الآثار وسلمت قضية الترميم إلى الإدارة الهندسية فى القوات المسلحة لمحاولة إستكمال الترميم .

وأكد "نور الدين"ان تكلفة الترميم فى المرحلة الأولى والثانية تعدت7مليون جنيه ،وأن المبلغ النهائى للترميم وصل 25مليون .

 

وقال "مختار أبو الفتوح" المتحدث الرسمى باسم هيئة النظافة والتجميل سابقاً، أن "الهيئة تنظف يومياً بحوالى 16 ألف جنية مقابل عربات تنقل القمامة والمخلفات من أمام السور،مؤكداً أن الأهالى وأصحاب المدابغ هم من يقومون بإلقاء المخلفات مرة أخرى، وأنهم لايريدون الانتقال أوترك السور نظيفاً من أجل الاستفادة التى تعود عليهم .

"مثال صارخ"

ولم تقتصر اضرار المدابغ علي كونها عنصر تشويه لاثر سور مجري العيون بمخلفاتها، ولكن الأصعب من ذلك ما وجدناه عند إقتحامنا لعالم تلك المدابغ ، فلقد تعايشنا مع المهنة وما يعانيه مشتغليها من صعوبات عديدة، والتي تؤدي الي أضرار جسيمة بصحتهم ، وبالرغم مما ذكرناه من مساوئ المدابغ فإن الأسوء لم يذكر بعد ، ولعل أبشع ما وجدناه هو عمالة كم هائل من الاطفال ، الذين تُستغل أبدانهم التي لم يكتمل نموها بعد ، بل وتشوهه داخلياً أثر المواد الكيمائية التي تصيبهم بأمراض عديدة مثل الحساسية والسرطانات وغيرها ، أما خارجياً فلم نجد أي من الاطفال محتفظاً بجسده علي هيئته ، فلم تترك مياه النار أطرافهم بل تأكلها يومياً ،فتترك لإبن العاشرة اثر يصاحبه أبد الحياة .. وعندما توجهنا بالحديث لبعض الأطفال ، سردوا معانتهم في أحرف بسيطة ولكن تكاد تحرق في قلوبنا ك"مياه النار" ..

يقول "محمد"،8 سنوات،عامل بأحد المدابغ"أبويا خرجنى من المدرسة، وجبنى هنا، أنا بشيل الجلود وبمسمرها على الخشب، إيدى بتتحرق كتير ،غير الريحة اللى مش بقدر أشمها ".

وصرخ "مصطفى" باكياً، أنا نفسى أتعلم وألعب مع العيال ، اخويا جاله الربو ومات بسبب ريحة الكيماويات ،وأنا خايف أحصله.

  ويقول طارق12سنه،أبويامات بسبب الشغلانة دى، أمى طلعتنى من المدرسة وجابتنى هنا من3 سنين ، باخد أجره50 جنية فى الأسبوع بصرف بيها على أمى وأخواتى، مش هعرف أرجع المدرسة وهيبقى حالى أفضل كدة، أو هبقى بتاع مخدرات أو بلطجى".

وبسؤال المتحدث الإعلامى بجمعية " أطفال قد الحياة"،أشارإلى أنه"للطفل حقوق يجب التأكد من حصوله عليها كاملة، من أجل أن يحيا في بيئة صحية،وأن هذه الظروف التى يعيش فيها أطفال المدابغ، سوف نرى جيل من البلطجية ".

وأوضح انه يجب أن تعمل الجهات المُختصة على حماية هؤلاء الأطفال مما يُرتكب فى حقهم من إنتهاك ، وكل ما يقع عليهم من أضرار جسمانية ونفسية، الأمر الذي يفتقد لأى معنى للرحمة والآدمية.

وتنِّوه "دعاء عباس"رئيسة الجمعية القانونية لحقوق الطفل والأسرة، إلى ضرورة سرعة إنقاذ أطفال المدابغ من الجُرم الواقع عليهم من قبل المجتمع وأصحاب المدابغ ،وسرعة غنتشالهم من هذا المكان وتوزيعهم على ملاجئ تهتم بهم وترعاهم ، وتُخرجم رجال قادرين على تطوير ومساعدة مجتمعهم.

 

ويبقى السؤال الأصعب، أين الحكومة من كل هذا ؟ أين الدولة ومؤسساتها المعنية من انتهاك آثارها؟؟ انتهاك حقوق آدمية شعبها؟ انتهاك أطفالها ومستقبلها القادم؟؟ أين مصر من أبنائها؟؟؟هتفضل بلدنا أم الدنيا وقد الدنيا ؟؟!



<<         إعلــــن هنـــــــا

sikis

جميع حقوق النشر محفوظة: © 2012 البوابة الالكترونية - جامعة عين شمس